الزيارات : 44
التصنيفات : المناسبات

اليوم الثالث عشر من محرم الحرام عام (61) هـ

دفن الإمام الحسين (عليه السلام) وباقي أصحابه وأهل بيته

بعد أن اُثخن الإمام المظلوم بالجراح وأخذ يجود بنفسه وتسيل دماؤه، وقد اغبرّ الفضاء، وسالت الدماء، وهامت على وجوهها النساء، وانتشرت أجساد الشهداء، على رمضاء كربلاء.

وفي كتاب (اللهوف) قال: وصاح الشمر بأصحابه: ما تنتظرون بالرجل؟

قال: فحملوا عليه من كل جانب.

وفي خبر أبي مخنف: وخرّ صريعاً مغشيّاً عليه، فلما أفاق من غشيته وثب ليقوم للقتال فلم يقدر، فبكى يكاءً عالياً ونادى: (واجدّاه، وامحمداه، واأبتاه، واعلياه. وقال أبومخنف: وبقي الحسين (عليه السلام) مكبوباً على الأرض ملطّخاً بدمه ثلاث ساعات من النّهار.

فأيّ رزيّة عدلت حسيناً *** غداةَ تُبيرهُ كفّا سنانِ

قال: وارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لايُرى فيها عين ولا أثر، حتى ظنّ القوم أن العذاب قد جاءهم. ومضى ركب السبايا نحو الكوفة وغاب في الصحراء، ويصور أحد الشعراء ذلك:

جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمدٍ مترمّلاً بدمائه ترميلا *** قتلوك عطشاناً ولمّا يرقبوا في قتلك التأويل والتنزيلا

وكانت معركة الطف قد وقعت بالقرب من ديار قبيلة بني أسد، فقد خرج رجالها يتفحّصون القتلى بعد رحيل جيش عمر بن سعد، حيث تناثرت جثث الشهداء هنا وهناك مطرّحة في مصارعها ثلاثة أيام تنتابها الوحوش، وتصهرها حرارة شمس الصيف اللاهبة.

ثم خرج قوم من بني أسد بحثّ من نسائهم، إذ كانوا يتوجسون خيفة من أتباع السفاك ابن زياد ودفنوا الأجساد الطاهرة إلاّجسد الإمام الحسين (عليه السلام)، إذمع تشخصه بنورانيته الفائقة إلاّ أنهم لم يستطيعوا حمله ببرهان من الله سبحانه، حتى جاء الإمام السجاد (عليه السلام) متنكراً فاستدعاهم ودفنه بنفسه، وهو يبكي (عليه السلام) ويقول: (طوبي لأرض تضمنت جسدك الشريف، أما الدنيا فبعدك مظلمة، والآخرة فبنور وجهك مشرقة. أما الحزن فسرمد، والليل فمسهد، حتى يختار الله لي دارك التي أنت مقيم بها. فعليك منّي السلام يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته).

و خط قبره الشريف بأنامله وكتب:

هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي قتلوه عطشاناً غريباً.

ثم قال السجاد (عليه السلام) لبني أسد: (اُنظروا هل بقي أحد)؟

قالوا: نعم، يا أخا العرب، قد بقي بطل مطروح على المسنّاة، فقال(عليه السلام): (امضوا إليه)، فلما رآه انكبّ عليه يقبّله ويبكي ويقول: (على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، فعليك منّي السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته).

ثم طلب الى بني أسد بشق ضريح له (عليه السلام) ثم دفنه بنفسه الشريفة، ثم عاد الإمام السجاد (عليه السلام) الى الكوفة بعد دفن الأجساد الطاهرة.

وهكذا أصبح مرقده الشريف فيما بعد قبلة للثوار، ومناراً للصالحين، وقيل: إن الإمام ابنه علي بن الحسين هو الذي دفنه (عليه السلام) في هذا اليوم بعد أن جاء متنكراً.

اليوم الثالث عشر من المحرم الحرام 63هـ

واقعة الحرّة

بعد واقعة الطف الأليمة ما فتر يزيد السفّاك عن الكيد للإسلام والمسلمين، وخصوصاً في كيده لمعقل الإسلام المدينة المنورة وأهلها، وفيهم الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) وعقيلة بني هاشم الحوراء زينب (عليها السلام)، والنساء الهاشميّات.

وإثر ذلك ذهب وفد من المسلمين من هذه المدينة المقدسة برئاسة عبد الله بن حنظلة الأنصاري، وكان هذا الرجل شريفاً وجيهاً فاضلاً مثل أبيه الصحابي الجليل (غسيل الملائكة)، الى بؤرة الشر والعدوان والفساد ومقر الخلافة المنحرفة في الشام، وقابلوا الطاغية يزيد واطّلعوا على رأيه الأسود في التدمير والإفساد، وعدم كفّه عن انتهاك الحرمات الإسلامية والاستخفاف بها.

وعاد هذا الوفد بخفي حنين، ونقل مقابلته ليزيد السفّاك، وما يبيّته من مؤامرات على الإسلام والمسلمين، واخذوا يحرضون الناس على الثورة بوجه الطاغبة وأعوانه، فقد وقف رئيسهم عبد الله بن حنظلة أمام أهل المدينة وخاطبهم قائلاً:

(والله ما خرجنا من يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح اُمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة).

واجتمع الثوار وقرروا محاصرة والي المدينة الاُموي، ومحاصرة دور بني اُمية المتعاونين مع سيدهم الطاغية يزيد، مما حدا بهم أن يستنجدوا بالإمام الهمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، ووضعوا نساءهم وأطفالهم في بيته ليحتموا من ذلك، ففتح لهم الإمام السجاد بيته وأجارهم.

فبعث والي المدينة أخباراً الى مركز الخلافة المنحرفة الى يزيد السفاك عن ذلك، فأرسل قائداً اسمه مسلم بن عقبة لمقاتلة أهل المدينة، خصوصاً الثوار منهم، وأمره بمايلي: ادع القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإذا اظهرت عليهم فأبحها-أي المدينة المنورة- ثلاثاً، فما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند.

وصل الجيش بقيادة مسلم بن عقبة الى مدينة الرسول وحاضرة الإسلام، وكان ذلك بعد شهادة الإمام الحسين بسنتين.

ووقعت المعركة بين الثوار المجاهدين، وبين أعوان يزيد المشين، وقد استشهد خلالها أكثر الثوار المجاهدين المدافعين عن المدينة المنورة، وفيهم القائد الشجاع عبد الله بن حنظلة الأنصاري. ووفقاً لأوامر الطاغية يزيد فقد أمر قائد الجيش الاُموي جنوده باستباحة المدينة بكاملها، فهجموا على بيوت الناس الآمنين فأفزعوهم وقاموا بسفك دماء الشيوخ والناس والأطفال، وعاثوا فساداً ثم أسّروا الآخرين.

وقد ذكر المؤرخون الفضائح والفضائع التي قام بها الجنود الأوغاد، فقد وقعوا على النساء الشريفات العفيفات حتى قيل: إنّه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج. وكان عدد من قتل من المهاجرين والأنصار سبعمئة من الوجهاء ومن غيرهم عشرة آلاف، ولم يسلم منهم الأطفال أيضاً.

ثم اُعدّ مكان لمسلم بن عقبة وأتوا بالاُسارى فكان على كل واحد منهم أن يقول: إنني عبد مملوك ليزيد بن معاوية، يتحكم فيّ وفي مالي وفي أهلي ما يشاء. وكل من لم يبايع ويقل هذا قام بقتله، إلاّ أنه قد هاب الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) بناء على وصية من يزيد السفاك، ولعل ذلك كان له ربط بفاجعة الطف حيث أجرموا من قبل وقتلوا وأسروا.

وقد انسحب هذا الجيش المعتدي محمّلاً بالسلب والنهب بعد ذلك العمل الشنيع متّجهاً صوب مكة، ضارباً عرض الحائط كل القيم والنواميس الإسلامية، خصوصاً وصية الرسول الأكرم (صلوات الله عليه)، حيث قال: (من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

التعليقات