الزيارات : 22
التصنيفات : المناسبات

اليوم الثاني عشر من المحرم الحرام

وصول سبايا الإمام الحسين (عليه السلام) الى الكوفة عام (61هـ)

لقد سار جلاوزة يزيد وابن زياد بالإمام السجاد (عليه السلام) وآل الرسول نساءً وأطفالاً الى الكوفة يدعّونهم دعّاً ويضربونهم ويضيّقون عليهم، وبعضهم على نياق هزّل حتى دخلوا الكوفة بهم، وفي الكوفة كان سبايا آل الرسول (صلوات الله عليه) يمرّون في شوارعها والناس ينظرون إليهم ويتفحّصونهم، بين عارف لهم خائف، ومنكرلهم لابعرفهم وبالتضليل الإعلامي في حيرة من ذلك، وبين باكٍ قد هاله المنظر، وآلمه المخبر.

ثم اُدخلوا على ابن زياد في قصر الإمارة وقد أذن إذناً عاماً للناس، أمر بإحضار الرؤوس، وخصوصاً رأس أبي الأحرار وسيد الشهداء، أبي عبد الله، الإمام الحسين (عليه السلام)، فجعل ينظر إليه جذلان مسروراً ويتبسم. وكان ابن زياد طويل القامة جثلاً، أحمر الوجه، أسود القلب، وأطلّ على الناس من منصّته وبيده قضيب يضرب به ثنايا أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، ويزهو ويلهو، ويتبختر، ويتنمّر.

وكان الى جانبه زيد بن أرقم، وكان شيخاً كبيراً صحابيّاً، فلما رآه يفعل ذلك بثنايا ابن رسول الله (صلوات الله عليه) قال له: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فو الله الذي لا إله غيره لقد رأيت رسول الله (صلوات الله عليه) بشفتيه عليها ولا اُحصيه كثرة يقبّلهما، ثم انتحب باكياً.

فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، أتبكي لفتح الله؟ والله لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.

فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار الى منزله.

وكانت العيال اُدخلت على ابن زياد قبل ذلك، وكانت من بينهم عقيلة بني هاشم زينب الكبرى (سلام الله عليها) متنكرة، وقد انحازت الى ناحية من القصر ومعها النسوة الطاهرات.

فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت ومعها نساؤها؟، فسأل عنها ثانية وثالثة فلم تجبه، فقيل له: هذه زينب بنت فاطمة (سلام الله عليها) بنت رسول الله.

فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم. فقالت زينب (عليها السلام): الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمد (صلى الله عليه وآله) وطهرّنا من الرجس تطهيراً، وإنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا، والحمد لله.

فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟

قالت (عليها السلام): كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتخصمون عنده.

فغضب ابن زياد واستشاط غضباً، فقال عمرو بن حريث: إنها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، فأخذ ابن زياد يفحش في كلامه.

ثم عرض عليه علي بن الحسين (عليه السلام)، فقال له: من أنت؟

فقال: أنا علي بن الحسين.

فقال ابن زياد: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟.

فقال له علي بن الحسين: قد كان لي أخ يسمّى عليّاً قتله الناس

فقال له الطاغية ابن زياد: بل الله قتله.

فقال الإمام زين العابدين: الله يتوفّى الأنفس حين موتها. وأراد ابن زياد السفّاك قتل الإمام علي بن الحسين ولكن العقيلة زينب عمّته تعلّقت به، فقال ابن زياد: دعوه فإنّي أراه لما به، فترك الإمام (عليه السلام) وكاد يقتله. ثم صعد المنبر ونال من أهل البيت وكذّبهم فافتضح نفاقه، وبانت أعراقه.

وكان في المجلس شيخ كبير آخر هو عبد الله بن عفيف الأزدي، فانتفض في وجه ابن زياد السفّاك وخذّله ونال منه.

فقال ابن زياد: عليّ به، فأخذته جلاوزة النفاق والشقاق، فانتزعه منهم رجال من الأزد، إلاّ أن ابن زياد أرسل عليه ليلاً فاُخرج من بيته وجيء به لابن زياد السفّاك فضرب عنقه وصلبه على السبخة، فرحمة الله عليه. ثم سنحت الفرصة للعقيلة زينب عليها السلام وأخذ تلقي خطبتها على رؤوس الأشهاد، فحمدت الله ثم قالت: أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الختر والغدر والختل والمكر. ألا فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الزفرة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم…

ثم أنشأت تقول:

ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم *** ماذا صنعتم وأنتم آخر الاُمم

فقال الإمام زين العابدين: يا عمّة، اسكتي ففي الباقي عن الماضي اعتبار. فسكتت الحوراء زينب (عليها السلام).

ثم تكلمت بعض النساء الطاهرات معبرات عن حزنهم وألمهن.

ثم ارتقى الإمام السجاد (عليه السلام) المنبر فأومأ للناس بالسكوت وكان معتل الحال، فأثنى على الله وحمده، ثم قال:

(أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا تراث). واستمر الإمام الهمام، عليه آلاف التحية والسلام، في الخطبة فعرّى الاُمويين وأتباعهم الخونة الظالين، ونصح للمسلمين. وفي اليوم التالي أمر ابن زياد السفاح جنده بالتوجه بآل الرسول (صلوات الله عليه) الى الشام، الى يزيد الطغام، وقد كبّل الإمام السجاد بالقيود وأركب بنات الرسالة الإبل الهزّل تنكيلاً بهن وكذا الصبية، وليحظى عند سيده يزيد بالمنزلة الأرفع، والمكان الأقرب.

اليوم الثاني عشر من المحرم الحرام أيضاً (على رواية)

شهادة الإمام السجاد علي بن الحسين (عليه السلام) عام (95 هـ)

هو الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، رابع أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وجدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجدّته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأحد الأئمة الاثني عشر المعصومين (صلوات الله عليهم).

وقد ولد في سنة ثمان وثلاثين للهجرة، أو قبل ذلك، وقد نشأ في كنف والده الحسين (عليه السلام) وارتوى من معينه، عاش برهة من الزمن مع جدّه أميرالمؤمنين ثم مع عمّه الحسن ثم مع أبيه الحسين عليهم السلام جميعاً. وعاصر تلك المآسي والمصائب من استشهاد جدّه وعمّه وأبيه، ومن جور وظلم الحكّام الاُمويين، وخصوصاً يزيد العار والشنار، حيث كان (عليه السلام) مريضاً عند واقعة الطف، وعاش كل آلامها ومآسيها، وتحمل الأسر من بلد الى بلد، ومن عدوّ الى عدوّ.

وألقى في الكوفة خطبته العصماء التي قضّت عرش ابن زياد وفضحت اُكزوبة ابن زياد، وعرّفت الناس حقيقة الأمر، وألقى خطبته الاُخرى في قصر يزيد الشرور والفجور، وهزّ كيان الدولة الاُموية في عقر دارها، وفضح يزيد وأعوانه، وأكاذيبهم وآلاعيبهم.

ثم في المدينة بعد استشهاد أبيه أبيّ الضيم الإمام الحسين (عليه السلام) فقد بدأ حلقة من الدرس والبحث في مسجد الرسول (صلوات الله عليه)، واُخذ يحدّث الناس بصنوف المعارف الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وتربية وعرفان، وقد تخرج على يديه عدد مهمّ من علماء المسلمين.

وقد اتخذ الإمام السجّاد (عليه السلام) من الدعاء وسيلة للتعبئة الجماهيرية واستنهاضاً للروح التي كادت تخبو تحت ضربات الاُمويين الجائرين، وخلود المجتمعات الإسلامية الى الدعة والراحة، فهزّ الاُمة وأيقظها من جديد، فكانت الصحيفة السجّادية زبور آل محمد ذلك المنار الذي يسير بنوره المسلمون. وقد قال فيه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري:

ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين (عليه السلام).

ولذا أخذت النفوس الحاقدة والحسودة تنتهز الفرص للتخلص من إمامنا زين العابدين، وقرّة عين الناظرين، وأخذوا يكيدون لهذا الإمام الهمام كيداً، ويسعون في التآمر عليه لتخلو الساحة لمآربهم الدنيئة، وأطماعهم الشريرة، حينما وجدوا الناس يلتفّون حوله، ويعلون شأنه، وكانوا يتظاهرون للإنكار له. وليس ببعيد على من تعرف سيرة هذا الإمام المظلوم كيف نكره هشام بن عبد الملك الخليفة الاُموي، وقد كان الإمام يطوف حول الكعبة والناس ينفرجون عنه سماطين، فسأل هشام من هذا؟ وكأنه لايعرفه.

إلاّ أن الشاعر الفرزدق كان الى جانب هشام هذا، فأنشأ قصيدته الرائعة عارضاً فيها للإمام معرّفاً به.

هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأته *** والبيت يعرفهُ والحلُّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كلّهمُ *** هذا النقيُّ التقيُّ الطاهرُ العلمُ

الى آخر هذه القصيدة الرائعة.

فخذل هشام بن عبد الملك وأنغض برأسه.

ولم تنفك عن الإمام زين العابدين الأيادي الأموية حتى اغتالته بأمر من الحاكم وليد بن عبد الملك بن مروان، واستشهد في (12) أو (25) محرم الحرام سنة (94) أو (95) هجرية، عن عمر يناهز 57 سنة، فسلام على إمامنا يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيًّا.

التعليقات