الزيارات : 39
التصنيفات : الاخبار, المناسبات

اليوم العاشر من المحرم الحرام

شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) وصحبه وأهل بيته (61 هـ)

بعد أن مرت ليلة العاشر من المحرّم وقد هيأ الإمام الحسين (عليه السلام) أهل بيته وأصحابه لأسوأ الظروف والاحتمالات، وقُضيت تلك الليلة بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، والتلاقي بين الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، قال لأصحابه: (هذا الليل فاتّخذوه جملاً).

إلاّ أن الأصحاب التوّاقين للشهادة وللقاء الله ومجاهدة أعدائه كانوا مصمّمين على قتال هذه الزمرة التي باعت أنفسها للشيطان، زمرة يزيد ومن دار حوله ومن لفّ لفّه.

وطلع فجر العاشر من المحرم وهنالك معسكران، معسكر يمثل الإيمان كله المتمثّل بمعسكر أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) ومن معه، ومعسكر آخر يمثل الكفر كلّه والنفاق كلّه والعدوان كلّه والجور كلّه والطغيان كلّه، المتمثّل بيزيد الفاسق، يزيد الجاهلية والردّة.

ولم تفد كل المواعظ والإرشادات من الإمام المعصوم ابن رسول الله، ابن عليّ وفاطمة في هؤلاء القوم إلاّ من ندر منهم كالحرّ الرياحي أوغيره، فقد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، فقد استحوذ الشيطان على ابن سعد فوضع سهمه في كبد قوسه ثم رمى باتجاه معسكر الحسين (عليه السلام) وقال: اشهدوا أنّي أول من رمى، ثم ترامى الناس وتبارزوا.

وقال السيد ابن طاووس (رحمه الله): ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله (صلوات الله عليه) المرتجز، فركبه وعبّْْْْْْْْْْْْْْأ أصحابه للقتال.

قال: فتقدّم عمر بن سعد فرمى نحو عسكر الحسين (عليه السلام) بسهم، وقال: اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى. فأقبلت السهام من القوم كأنّها المطر.

فقال الإمام الحسين (عليه السلام): (قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لابدّ منه، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم).

وفي قول آخر: خاطب الإمام (عليه السلام) أصحابه قائلاً: (قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لابدّ منه، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم)، فتوجّهوا الى القتال كالاُ سود الضارية، لايبالون بالموت، مستبشرين بلقاء الله جل جلاله، وكأنهم رأوا منازلهم مع النبيين والصديقين وعباد الله الصالحين.

فالأصحاب تقدّموا على أهل البيت توّاقين للشهادة والجنة، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) جماعة، وكان لايقتل منهم أحد حتى يقول: السلام عليك يا أبا عبد الله. ويوصي قبل ذلك أصحابه بأن يفدوا الإمام بالمهج والأرواح.

واحتدمت المعركة بين الطرفين، فكان لايقتل الرجل من أنصار الحسين (عليه السلام) حتى يقتل العشرة والعشرين، واستمرت رحى الحرب تدور في ساحة كربلاء واستمر معها شلال الدّم المقدّس يجري ليتّخذ طريقه نحو نهر الخلود، وأصحاب الحسين (عليه السلام) يتساقطون الواحد تلو الآخر، وقد أثخنوا جيش العدو بالجراح وأرهقوه بالقتل.

فتصايح رجال عمر بن سعد: لو استمرت الحرب برازاً بيننا وبينهم لأتوا على آخرنا، لنهجم عليهم مرة واحدة، ولنر شقهم بالنبال والحجارة.

فبدأ الهجوم والزحف نحو من بقي مع الحسين (عليه السلام)، وأحاطوا بهم من جهات متعددة، مستخدمين كل أدوات القتل وأساليبه الدنيئة حتى قتلوا أكثر جنود المعسكر الحسيني من الصحابة، وزالت الشمس وحضر وقت الصلاة وها هو الحسين (عليه السلام) ينادي للصلاة وقد تحول الميدان عنده محراباً للجهاد والعبادة، ولم تمنعه الاُسنة والرماح والنبال. ولم يزل يتقدم رجل رجل من أصحابه فيستشهد، ولم يبق إلاّ الحسين (عليه السلام) وأهل بيته خاصّة، فتقدّم عليّ بن الحسين الأكبر، وكان يرتجز ويقول:

أنا عليّ بن الحسين بن علي *** نحن وبيت الله أولى بالنبي

تالله لايحكم فينا ابن الدعي

وقاتل سلام الله عليه حتى استشهد.

ثم تتالى أهل بيت الحسين (عليه السلام) يبارزون القوم المجرمين فيستشهدون واحداً تلو الآخر، حتى لم يبق إلاّ عبدالله الرضيع والإمام السجاد وعلي الأوسط وكان مريضاً.

ثم جلس الحسين (عليه السلام) أمام الفسطاط فاُتي بابنه عبد الله فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فملأ الإمام الحسين (عليه السلام) كفّه بالدم فصبّه أو رماه، ثم أُشار العباس بن عليّ الى إخوته بالقتال فقاتلوا حتى استشهدوا…

لم يبق مع الإمام الحسين (عليه السلام) سوى أخيه العباس (عليه السلام) الذي تقدم، فكان يحمل على أهل الكوفة فينهزمون منه، وضجّ أهل الكوفة من كثرة من قتل منهم، وكان سعى للحصول على الماء من نهر الفرات لسدّ عطش أهل البيت وفيهم الحسين (عليه السلام) كذلك. وقد منعه جيش ابن سعد من الوصول الى الماء مراراً حتى فضّهم وبلغ الماء، وعند عودته احتوشوه وقاتلهم حتى استشهد، فقال الحسين وهو عنده: (الآن انكسر ظهري)، وهكذا بقي الحسين (عليه السلام) وحده يحمل سيف رسول الله فأخذ ينادي: هل من ذابّ يذبّ عنّا؟.

حمل الحسين (عليه السلام) سيفه وراح يرفع صوته على عادة العرب في الحروب ونظامها في البراز، فما زال يقاتلهم بالشجاعة العلويّة، ولما عجزوا عنه لجؤوا الى أساليب الجبن والدناءة والمخاتلة فرموه بالسهام حتى صار جسمه الشريف كالشوك على شجرة، وأخذوا يضربونه عن قرب بعد أن اُثخن بالجراح وسيل الدماء. فتجرأ حينها شمر الخباثة والخساسة فاحتزّ رأس سيد الشهداء (عليه السلام)، وأخذوا يستلبونه ما عليه، ثم وطؤوه بسنابك الخيل حقداً وحسداً. ثم اتّجهوا نحو المخيّم فحرقوه، فهامت النساء والصبية على وجوهها، فمادت الأرض واسودّت آفاق الكون من الغبار والدخان، وامتدت حمرة رهيبة في السماء كانت غضباً من الله على اُولئك السفّاكين الذين انتهكوا جميع حرمات الله سبحانه.

ثم حل السكون على أرض كربلاء الطاهرة، فأتت العقلية زينب الكبرى (عليها السلام) الى الميدان حتى وقفت على جسد أخيها الحسين (عليه السلام)، ثم قالت: اللهم تقبل منا هذا القربان، ثم عادت لتجمع النساء والأطفال وهم في آلم حال…

التعليقات