الزيارات : 58
التصنيفات : المناسبات

في هذه السنة حج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، وهي حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام، ولم يحج قبل ذلك منذ أن هاجر إلى المدينة وحتى توفاه الله تعالى. فقد خرج فيها مغتسلاً متدهّناً مترجّلاً متجرّداً في ثوبين صحاريين; إزار ورداء، وكان يوم السبت لخمس ليال أو ست بقين من ذي القعدة، ومعه نساؤه على الهوادج، وسار معه أهل بيته وعامة المهاجرين والأنصار، ومن شاء الله من باقي القبائل والناس.

وعند خروج الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى مكة انتشر في المدينة داء الجدري أو الحصبة، فامتنع اُناس كثير عن الذهاب للحج، ومع ذلك كان معه ـ على أقل الروايات ـ مئة وأربعة عشر ألف، والذين حجّوا معه أكثر من ذلك، فيهم المقيمون في مكة والذين أتوا من اليمن مع أمير المؤمنين (عليه السلام).

qadir2

وعند عودته (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة وصل إلى غدير (خمّ) من الجحفة التي هي مفترق الطرق للمدنيين والمصريين والعراقيين، وكان يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، حيث نزل عليه جبرائيل (عليه السلام) عن الله تعالى بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك…) الآية.

وأمره أن يقيم علياً (عليه السلام) علماً وولياً للمسلمين، ويبلّغهم ما نزل في حقه من ولاية المؤمنين و وجوب طاعته، فأمر الرسول بجمع ما تقدم وما تأخر من المسلمين، ونهى عن شمراتٍ (شجر الطلح) وهن خمس عظام متقاربات، أن لا ينزل تحتهنّ أحد، ثم صلّى بعد صلاة الظهر تحتهنّ في يوم هاجر حتى يضع الرجل بعض ثيابه أو ردائه على رأسه، وبعضه تحت قدميه. وظلّل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فلما أتم صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع فقال: «الحمد للّه ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلّ لمن هدى. وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: أيها الناس، قد نبّأني اللطيف الخبير: أنه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الذي قبله، وإني اُوشك أن اُدعى فاُجيب. وإني مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد أنّك بلّغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله خيراً.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حقّ وناره حقّ، وأن الموت حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

قالوا: بلى، نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد.

ثم قال: أيها الناس، ألا تسمعون؟

قالوا: نعم.

قال: فإني فرط على الحوض، وأنتم واردون علي الحوض…..فانظروا كيف تخلفونني في الثقلين.

فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟.

قال: الثقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا. والآخر الأصغر عترتي. وإن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي. فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس، من أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، يقولها ثلاث مرات ـ وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات ـ ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب.

ثم لم يتفرقوا حتى نزل الأمين جبرئيل بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) الآية.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعلي من بعدي».

فشرع المسلمون بتهنئة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وكان الشيخان في مقدمة المهنئين، كل منهما يقول: بخ بخ لك يابن أبي طالب،أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

وقال ابن عباس: وجبت ـ والله ـ في أعناق القوم.

فقال حسان بن ثابت: إئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهنّ.

فقال (صلى الله عليه وآله): «قل على بركة الله».

فقام حسان، فقال: يا معشر مشيخة قريش، أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية، ثم قال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ، وأسمع بالرسول مناديا

فقال فمن مولاكم ونبيّكم *** فقالوا، ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا *** ولم تلق منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباع صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليّه *** وكن للذي عادى علياً معاديا

وقد أقرّ النبي (صلى الله عليه وآله) هذه النفحات من الأبيات، التي لو لم يكن سواها مؤرخاً ولم يصل إلينا بسبب طمس الخلفاء الظالمين أي مُنزل ولا حديث الرسول في غدير خم مدوّن، لكفت وثيقة صدق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ولقد قرّظ النبي (صلى الله عليه وآله) هذه الأبيات من الشعر بقوله (صلى الله عليه وآله):

«لا تزال يا حسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».

وقد أطبقت الاُمة الإسلامية على هذا في حينها، ولم تكن هنالك حادثة بهذا الحجم كواقعة الغدير الكبرى، وهو المحل القريب من الجحفة.

هذا غيض من فيض لواقعة الغدير، جعلنا الله سبحانه من المتمسكين بولاية عليّ أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد وعلى آله الأطيبين المنتجبين إلى يوم الدين.

اليوم الثامن عشر من ذي الحجة:

قتل عثمان بن عفان سنة 34 هـ

طعن أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب بخنجر، فقيل لعمر: لو استخلفت. قال: لو كان سالم (و هو من الصحابة) حيّاً لاستخلفته، لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته. ثم قال: لأجعلنّها شورى بين ستة. وعيّنهم من قريش، وولّى أبا طلحة زيد بن سهل الخزرجي على خمسين من الأنصار, وأمر صهيباً أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، فإذا انتهت هذه الأيام فليضرب أبو طلحة عنق من يخالف.

وإن اجتمع ثلاثة على رجل وثلاثة على رجل كانوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإن صفق عبد الرحمن بإحدى يديه على الاُخرى يتبعوه, ومن أبى قتل.

توفي عمر فقال عبد الرحمن: إنّي اُخرج نفسي منها وسعد بن أبي وقاص، فأجابوه إلاّ علياً فقد أبى، ولكنهم ضغطوا عليه فطلب القسم من عبد الرحمن أن لا يميل إلى هوى وأن يؤثر الحق ولايحابي، فحلف للإمام علي (عليه السلام)، فقال له: اختر مسدداً.

ثم اجتمعوا في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فمدّ يده إلى علي (عليه السلام) وقال: امدد يديك اُبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين.

قال (عليه السلام): أسير فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ما استطعت.

ثم اتجه إلى عثمان وطلب منه المطلب الأول فوافق.

ثم طلب إلى الإمام علي (عليه السلام) ذلك مراراً فرفض.

فقال الإمام (عليه السلام): إنّ كتاب الله وسنة نبيّه لا يحتاج معهما إلى طريقة أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عنّي.

فاتجة عبد الرحمن إلى عثمان فبايعه، فقال الإمام علي (عليه السلام) لعبد الرحمن: حبوته حبوة دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. والله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن. فبايع أصحاب الشورى عثمان، فخرج الإمام علي مغضباً.

فهدّدوا الإمام علياً (عليه السلام) وضغطوا عليه, حتى اُضطر للمبايعة.

قتل عثمان:

استلم عثمان زمام الاُمور، فأخذ يقرب كل من لعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من مثل: مروان بن الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط.. ويغدق الأموال عليهم.

أما أفعاله مع الصحابة المخلصين، فنفى الصحابي الجليل أباذر (رضي الله عنه) إلى الربذة، وبطش بعبد الله بن مسعود، وضرب عمار بن ياسر ضرباً شديداً.

واستمر عثمان بسياسته هذه، فحصلت الشقاقات في الأمصار الإسلامية, حتى أن اُناساً من مصر صمّموا على قتله.

فجاء إلى علي (عليه السلام) فقال له: يابن عم، إنّ قرابتي منك قريبة، ولي عليك حق، وقد جاء ماترى من هؤلاء القوم، واُحب أن تركب إليهم وتردّهم عنّي.

فقال له علي (عليه السلام): على أي شيء أردّهم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرت به ورأيته لي. فقال علي (عليه السلام): إنّي قد كلمتك مرة بعد اُخرى، فكل ذلك تخرج وتقول وتعد ثم ترجع، وهذا من فعل مروان ومعاوية وابن عامر وعبد الله بن سعد، فإنك أطعتهم وعصيتني. فقال عثمان: إني أعصيهم واُطيعك.

فأتى الإمام علي (عليه السلام) مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى المصريين, فسمعوا منه ورجعوا إلى مصر، ثم روى أغلب المؤرخين أن هؤلاء المصريين عادوا بعد ثلاثة أيام فأخرجوا صحيفة قد عثروا عليها عند غلام لعثمان لما فتّشوه، وهو يطلب من ولي مصر بجلد بعضهم وقتل قوم آخرين.

فسألوا عثمان عن ذلك فأنكر، وأقسم بالله أنه لم يكتب تلك الرسالة, فقال له أهل مصر: إنها من عمل مروان، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع وإن كنت صادقاً فقد استحققت الخلع لضعفك. فقام علي (عليه السلام) وأخرج أهل مصر ثم ذهب.

وكان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره، فدعا عثمان علياً (عليه السلام) وقال له: قدترى ما كان من الناس، فارددهم عنّي، فقال: علي (عليه السلام): إنّ الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك….. وكنت أعطيتهم عهداً من قبل فلم تف به.

فخرج علي (عليه السلام) إلى الناس فقال: إنكم إنّما تطلبون الحق وقد اُعطيتموه، وأنّه منصفكم من نفسه. فلم يقتنع الناس بوعود عثمان، فأمهلهم ثلاثة أيام ووعدهم أن يردّ كل مظلمة. إلاّ أنه أخذ يستعدّ للقتال ويجمع الجند.

فانقضت الأيام الثلاثة ولم يغيّر عثمان شيئاً، فثاروا عليه حتى منعوا عنه الماء، فأرسل إلى علي (عليه السلام)، فوعظهم، ولكنهم لم يستجيبوا, فنهض علي (عليه السلام) وأظهر تضجّره وعاد.

وروى ابن سعد الطبري في كيفية مقتل عثمان ما يأتي: رفع أحد الذين حاصروا بيت عثمان, واسمه (كنانة بن بشر), مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل اُذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله. وكان ذلك في الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35 هـ.

بقي عثمان لم يدفن لثلاثة أيام، فطلبوا لعلي (عليه السلام) في الإذن بدفنه ففعل، وفي تشييعه خرج جماعة فرموه بالحجارة، ولكنه أخيراً دفن في خارج مقبرة البقيع في المدينة.

التعليقات