الزيارات : 151
التصنيفات : الاخبار, المناسبات

مع إطلالة شهر الله الفضيل .. شهر رمضان المبارك، يستقبل الناس هذا الشهر حسب درجة ايمانهم ومدى معرفتهم بفضائل ومكارم هذا الشهر العظيم، فبعضهم يستقبله من غرة شهر رجب الأصب، والبعض الاخر من الايام الأولى لشهر شعبان العظيم، وبعضهم من منتصف شعبان، بينما بعض منهم لا يستقبله، وانما يقتحم عليه شهر رمضان اقتحاماً دون ان يلتفت!
الاستقبال ضرورة
فكل صنفٍ من هذه الأصناف المختلفة من الناس يتعامل مع شهر رمضان حسب قدرته على الاستيعاب والتزوّد من محطة هذا الشهر الروحية الربانية، فمنهم مَنْ لا يرى مِنْ شهر رمضان والصيام فيه إلاّ الجوع والعطش وتناول السحور والفطور، فهؤلاء لا ينالون منه إلاّ ما كُتب لهم من جوعهم وعطشهم، ثم تذهب بركات وفضائل ونفحات أيام وليالي هذا الشهر سدى ودون رجعة، و يكون حالهم كحال ذلك الذي يصلي ولكن دون أن يتلذذ من زاد الخشوع في الصلاة.
ففي الرواية المأثورة، أنه جاء رجل الى رسول الله يسأله عن الخشوع في الصلاة؟ فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يسبغ وضوءه، لأن الوضوء هو تمهيد للصلاة، وهو بحد ذاته بمثابة إستقبال لأوامر فريضة الصلاة. وكذلك بالنسبة لأداء مناسك الحج يتوجه الحاج قبل رحيله من أهله وأصدقائه صوب بيت الله الحرام إلى تطهير أمواله، وإبراء الذمة ممن كان لهم حق عليه، ثم يشد رحال السفر بقلب طاهر ومطمئن لاستقبال شهر ذي الحجة ومناسكه الفضيلة.
شهر رمضان.. محطة روحية
لقد جعل الله لعباده نفحات ومحطات تزويد بوقود الايمان والمعرفة، حيث تقوم هذه المحطات والنفحات الروحية بدور رفع الحجب والسحب الكثيفة التي تحول بين العبد وبين ربه جل وعلا. وشهر رمضان هو عبارة عن تلك المحطة الربانية الكبرى التي دعا الله سبحانه عباده للاستفادة منها، قبل ذهاب الفرصة وحلول الغصة. وهذا دليل آخر على رحمة الله بعباده ولطفه لهم، رغم قساوة قلوبهم وشقائهم وابتعادهم عن معدن الخير والفضيلة.
ولا شك إذا كانت المحطات المكانية كمسجد الحرام وجبل عرفات والمشعر الحرام ومراقد الأئمة المعصومين الطاهرين عليهم السلام لها الدور المؤثر في استشعار الارتباط الوثيق بين العبد والمولى، فإن المحطات الزمانية، ومن أهمها أيام وليالي شهر رمضان هي الأخرى تكمل الدور المطلوب في هذا الصدد، حيث تفتح أبواب السماء ببونها الشاسع واللامتناهي، وتُغلق أبواب النيران الكبيرة المهلكة، لتنزل الرحمة على العباد وتتنزل الملائكة في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر لتقدر للعباد ما يرجون ويتوخون من خير الدنيا والآخرة.
إن أهم عطاء يمكن أن يستفيد منه العبد المؤمن في هذا الشهر هو ولوج باب المغفرة والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى: “بابك مفتوح للراغبين..”.”إنك لا تحتجب عن خلقك إلاّ أن تحجبهم الأعمال دونك” فإن كل ليلة أو يوم أو ساعة من ساعات هذا الشهر الفضيل تدعونا لاستثمارها عبر الرجوع والعودة إلى الله سبحانه وطلب التوبة.
العودة إلى رياض الايمان
والتوبة تعني، فيما تعني، الندم والحسرة على ما فرط العبد في جنب الله، وعلى ما ارتكب من ذنوب وآثام تراكمت حتى تحولت إلى حجب بين العبد وربه، فان الندم كخطوة أولى في باب التوبة، تعتبر وسيلة مهمة وأساسية للعودة إلى رياض الايمان.
إن الكثير من الناس يدعي التوبة، ولكن في واقع الأمر يعيش الازدواجية في شخصيته، ففي داخل قلبه يستشعر عدم اقتراف الذنب ويعيش طوال عمره في حالة من التبرير والخداع الذاتي : (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلآَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة،9) هؤلاء تنكشف الحقائق لهم بعد فوات الاوان، ثم يصرخ أحدهم: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ)، ولكن يأتيهم الجواب: (كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون،99- 100)
إن عملية التوبة تستدعي من الفرد التائب العزم على عدم العودة، فالكثير من الناس يترك المعاصي والآثام لفترات معينة، احتراما لشهر رمضان أو في بعض المناسبات الدينية الخاصّة، ولكن دون أن يتخذ (قرار) التوبة الحقيقية النصوح، فسرعان ما تنقضي المناسبة حتى يعاود اقتراف الذنوب والآثام.
فإذا أردت أن تعرف ما إذا كانت توبتك مقبولة وحقيقية فانظر إلى ما بعد التوبة، هل إن الأعمال الخيرية والحسنة لديك ثقيلة أم خفيفة؟ فإذا نادى المؤذن: الله أكبر.. حي على الصلاة، فهل تستجيب جميع جوارحك بما فيها قلبك بنشاط للنداء الرباني لتنهض مسرعا وبإقبال إلى الصلاة؟.. إن أداء عمل الخير بسهولة وبخفة بعد التوبة هو دليل على تحقق التوبة بكل شروطها، والعكس هو صحيح أيضاً.
شهر المواساة
إن أهم ما فُرِض علينا في هذا الشهر العظيم هو المواساة للإخوان – كما في شهر شعبان – حيث نقرأ فيه: ” اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، واعمر قلبي بطاعتك ولا تخزني بمعصيتك وارزقني مواساة من قتَّرت عليهم من رزقك بما وسَّعت علي من فضلك “..
فشهر رمضان المبارك هو شهر المواساة خاصة، وان المؤمن يصوم ويمتنع عن الشهوات والطعام والشراب ليحس بألم الجياع والفقراء والمعوزين الذين هم بجوارنا.
إن المواساة تعني أن تنفق بما عندك من مال أو كلمة طيبة أو خدمة إنسانية للآخرين.. وهذا لا يعني ان تعطي وتنفق كل اموالك للآخرين، بل يكفي جزء قليل منه لتحس بالم الاخرين وترتقي الى سلم الانسانية والكمال البشري.
كما أن مواساتك للذي فقد عزيزاً، وعيادة من اصيب بمرض وداء، وارشادك للذي ضل في عمله عبر توجيهه ونصحيته لكي يتوفق في عمله الدنيوي والاخروي.. كل تلك تدخل في باب المواسات للاخوان.
من هنا يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة له في آخر جمعة من شهر شعبان المعظم: ” واتقوا النار ولو بشق تمرة  “.. أي إن إعطاءك ولو تمرة واحدة للمستحق هي بمثابة الاحتراز من نار جهنم.
إن كثيراً من الناس -مع الاسف- يرفل في ظل النعم التي حباها الله له، ولكن ما زال يحس بالنقص المعنوي والنفسي، فكلما زاده الله نعماً شكى وطلب الاكثر.
إن الصوم يبعث فينا الشعور و الاحساس بالمسؤولية الدينية و الانسانية والرقة، ويلهمنا صفة الشكر، وضرورة دعم المحتاجين.
وصايا رمضانية
إن شهر رمضان الفضيل خير فرصة للتأكيد على عدة أمور أساسية منها:
1- لابد أن نهتم بالبعد العقائدي لأنفسنا وأبنائنا ومجتمعنا. إن ترسيخ الاعتقاد بالتوحيد والمعاد، والعبادات والأخلاقيات، والولاية لله وللرسل والأئمة عليهم سلام الله أجمعين، كل ذلك كفيل بهداية الإنسان إلى الارتشاف من معين قيم الحق والعدالة والفطرة والإيمان بالله، خاصة وان أبناءنا وأطفالنا اليوم، وفي عصر الفضائيات والهجوم الثقافي المادي الفاسد، هم أحوج ما يكونون إلى الاهتمام بهذا البُعد، حتى نجنبهم الفوضى الفكرية واضطراب الروح وقلق النفس وضبابية الرؤية.
إن رجال المنبر والصحافة ووسائل الأعلام المختلفة مدعوون لترسيخ قواعد الأخلاق والفضيلة والإيمان في عقول ونفوس أطفالنا وشبابنا ونسائنا وبكافة السبل المختلفة ووسائلها المتعددة.
2- لابد من العمل على رفع الحجب بين الناس وبين كتاب الله. فلقد تحول القرآن الكريم -مع الأسف- بين الناس إلى عرف اجتماعي سائد، وتلاوته هي كذلك تدخل ضمن دائرة العادة المتداولة بين الناس، وليس للتدبر والوعي والعمل.. لقد اصبح كتاب الله يقتصر على الفواتح والمآتم، بل أصبح الواحد منا يقرأ القرآن دون أن يتدبر في كلماته، بل تجده مشغولاً بسفاسف الحياة الدنيا التي تشكل حجاباً بينه وبين كلام الله المجيد.
لابد للامة أن تعود الى القرآن الكريم عبر التدبر في آياته المباركات، وتلاوتها بتمعن وتدبر.. “ولا يكونّن هَم أحدكم ..آخر السورة” كما يقول الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام. فان كل آية وسورة يتلوها المؤمن في كتاب الله هي خطاب موجه له، فلابد أن يعيها ويتفهم أبعادها ليطبقها على حياته.
3- ضرورة تقوية العلاقة الاجتماعية بين المؤمنين في شهر رمضان المبارك، عبر التزاور بين الارحام والاصدقاء. فالتزاور خطوة مهمة في رفع الحواجز النفسية العالقة في قلوب المؤمنين التي تكثفت وتجمعت عبر سوء الظن. فزيارة المؤمنين والدعاء لهم بالخير والعفو عنهم، وان كانوا هم المخطئين، هي بمثابة اللبنات الأساسية التي تجعل البناء في المجتمع الاسلامي متماسكاً ومتيناً.
كما ان الحث على التجمعات الايمانية والانتماء اليها والالتفاف حولها كالمجالس الدينية والهيئات القرآنية هي الاخرى تقوي البنية الاجتماعية بين المؤمنين، ناهيك عن دورها الايجابي في بناء وتربية الشبيبة المؤمنة في مدرسة القرآن الكريم وبصائره الربانية.
4- التثقيف الذاتي بالعلوم التربوية والأخلاقية والدينية. فهذا الشهر الفضيل، يُعتبر فرصة لتكميل البعد الثقافي والعلمي في شخصية الإنسان المؤمن، وذلك من خلال مطالعة الكتب الأخلاقية والدينية والعقائدية وتلك التي تتحدث عن حياة الأئمة المعصومين، وأخص بالذكر كتاب ” تحف العقول ” الذي يشمل وصايا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وابنته الزهراء البتول عليها السلام وسائر الأئمة المعصومين عليهم السلام إلى شيعتهم.
5 – تعميق الولاء لأهل بيت الرسول عليهم السلام عبر التوجه إليهم، وزيارتهم، وطلب شفاعتهم، وأداء بعض صلوات النوافل وإهدائها إليهم، وبالطبع فإن أهل البيت عليهم السلام لن ينسوا من ذكرهم، كما علينا أن نقوي علاقتنا بالإمام الحجة المنتظر المهدي عجل الله فرجه الشريف.
خلاصة القول

إن إيجاد (التقوى) هو الهدف الرئيسي من تشريع فريضة الصيام في هذا الشهر الفضيل.. ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة،183)

التعليقات