الزيارات : 85
التصنيفات : الاخبار, المناسبات

روى انّه لمّا أجمع أبوبكر و عمر علي منع فاطمة عليهاالسلام فدكاً و بلغها ذلك،لاثت خمارها علي رأسها، و اشتملت بجلبابها، و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول‏اللَّه صلى اللَّه عليه و آله،حتّى دخلت علي أبي‏بكر، و هو في حشد من المهاجرين و الانصار و غير هم، فنيطت دونها ملاءة فجلست، ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثم أمهلت هنيئة.

حتّى اذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمداللَّه و الثناء عليه و الصلاة علي رسوله، فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها فقالت عليهاالسلام:

اَلْحَمْدُلِلَّهِ عَلي ما اَنْعَمَ، وَ لَهُ الشُّكْرُ عَلي ما اَلْهَمَ، وَ الثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ اِبْتَدَاَها، وَ سُبُوغِ الاءٍ اَسْداها، وَ تَمامِ مِنَنٍ اَوْلاها، جَمَّ عَنِ الْاِحْصاءِ عَدَدُها، وَ نَأى عَنِ الْجَزاءِ اَمَدُها، وَ تَفاوَتَ عَنِ الْاِدْراكِ اَبَدُها، وَ نَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بِالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَ اسْتَحْمَدَ اِلَى الْخَلائِقِ بِاِجْزالِها، وَ ثَني بِالنَّدْبِ اِلى اَمْثالِها.

وَ اَشْهَدُ اَنْ لا اِلهَ اِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الْاِخْلاصَ تَأْويلَها، وَ ضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَ اَنارَ فِي التَّفَكُّرِ مَعْقُولَها، الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْاَبْصارِ رُؤْيَتُهُ، وَ مِنَ الْاَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَ مِنَ الْاَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ.

اِبْتَدَعَ الْاَشْياءَ لا مِنْ شَىْ‏ءٍ كانَ قَبْلَها، وَ اَنْشَاَها بِلاَاحْتِذاءِ اَمْثِلَةٍ اِمْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ وَ ذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ اِلى تَكْوينِها، وَ لا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها، اِلاَّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ وَ تَنْبيهاً عَلي طاعَتِهِ، وَ اِظْهاراً لِقُدْرَتِهِ وَ تَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وَ اِعْزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ عَلي طاعَتِهِ، وَ وَضَعَ الْعِقابَ عَلي مَعْصِيَتِهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ وَ حِياشَةً لَهُمْ اِلى جَنَّتِهِ.

وَ اَشْهَدُ اَنَّ اَبي‏مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، اِخْتارَهُ قَبْلَ اَنْ اَرْسَلَهُ، وَ سَمَّاهُ قَبْلَ اَنْ اِجْتَباهُ، وَ اصْطَفاهُ قَبْلَ اَنْ اِبْتَعَثَهُ، اِذ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَ بِسَتْرِ الْاَهاويلِ مَصُونَةٌ، وَ بِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللَّهِ تَعالي بِمائِلِ الْاُمُورِ، وَ اِحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَ مَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْاُمُورِ.

اِبْتَعَثَهُ اللَّهُ اِتْماماً لِاَمْرِهِ، وَ عَزيمَةً عَلى اِمْضاءِ حُكْمِهِ، وَ اِنْفاذاً لِمَقاديرِ رَحْمَتِهِ، فَرَأَى الْاُمَمَ فِرَقاً في اَدْيانِها، عُكَّفاً عَلي نيرانِها، عابِدَةً لِاَوْثانِها، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفانِها.

فَاَنارَ اللَّهُ بِاَبي‏مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و الِهِ ظُلَمَها، وَ كَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَها، وَ جَلى عَنِ الْاَبْصارِ غُمَمَها، وَ قامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدايَةِ، فَاَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغِوايَةِ، وَ بَصَّرَهُمْ مِنَ الْعِمايَةِ، وَ هَداهُمْ اِلَى الدّينِ الْقَويمِ، وَ دَعاهُمْ اِلَى الطَّريقِ الْمُسْتَقيمِ.

ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ اِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَ اخْتِيارٍ، وَ رَغْبَةٍ وَ ايثارٍ، فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ و الِهِ مِنْ تَعَبِ هذِهِ الدَّارِ في راحَةٍ، قَدْ حُفَّ بِالْمَلائِكَةِ الْاَبْرارِ وَ رِضْوانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَ مُجاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، صَلَّى اللَّهُ عَلي أَبي نَبِيِّهِ وَ اَمينِهِ وَ خِيَرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ صَفِيِّهِ، وَ السَّلامُ عَلَيْهِ وَ رَحْمَةُاللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ.

ثم التفت الى اهل المجلس و قالت:

اَنْتُمْ عِبادَ اللَّهِ نُصُبُ اَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ، وَ حَمَلَةُ دينِهِ وَ وَحْيِهِ، وَ اُمَناءُ اللَّهِ عَلى اَنْفُسِكُمْ، وَ بُلَغاؤُهُ اِلَى الْاُمَمِ، زَعيمُ حَقٍّ لَهُ

فيكُمْ، وَ عَهْدٍ قَدَّمَهُ اِلَيْكُمْ، وَ بَقِيَّةٍ اِسْتَخْلَفَها لَيْكُمْ: كِتابُ اللَّهِ النَّاطِقُ وَ الْقُرْانُ الصَّادِقُ، و النُّورُ السَّاطِعُ وَ الضِّياءُ اللاَّمِعُ، بَيِّنَةً بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةً سَرائِرُهُ، مُنْجَلِيَةً ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةً بِهِ اَشْياعُهُ، قائِداً اِلَى الرِّضْوانِ اِتِّباعُهُ، مُؤَدٍّ اِلَى النَّجاةِ اسْتِماعُهُ.

بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللَّهِ الْمُنَوَّرَةُ، وَ عَزائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ، وَ مَحارِمُهُ الْمُحَذَّرَةُ، وَ بَيِّناتُهُ الْجالِيَةُ، وَ بَراهينُهُ الْكافِيَةُ، وَ فَضائِلُهُ الْمَنْدُوبَةُ، وَ رُخَصُهُ الْمَوْهُوبَةُ، وَ شَرائِعُهُ الْمَكْتُوبَةُ.

فَجَعَلَ اللَّهُ الْايمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَ الصَّلاةَ تَنْزيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ، وَ الزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَ نِماءً فِي الرِّزْقِ، وَ الصِّيامَ تَثْبيتاً لِلْاِخْلاصِ، وَ الْحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَ الْعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلُوبِ، وَ طاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَ اِما مَتَنا اَماناً لِلْفُرْقَةِ، وَ الْجِهادَ عِزّاً لِلْاِسْلامِ، وَ الصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَي اسْتيجابِ الْاَجْرِ.

وَ الْاَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلِحَةً لِلْعامَّةِ، وَ بِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَ صِلَةَ الْاَرْحامِ مَنْساءً فِي الْعُمْرِ وَ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَ الْقِصاصَ حِقْناً لِلدِّماءِ، وَ الْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَ تَوْفِيَةَ الْمَكائيلِ وَ الْمَوازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ.

وَ النَّهْىَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَ اجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَ تَرْكَ السِّرْقَةِ ايجاباً لِلْعِصْمَةِ، وَ حَرَّمَ اللَّهُ الشِّرْكَ اِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبوُبِيَّةِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَ لا تَمُوتُنَّ اِلاَّ وَ اَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَ اَطيعُوا اللَّهَ فيما اَمَرَكُمْ بِهِ وَ نَهاكُمْ عَنْهُ، فَاِنَّهُ اِنَّما يَخْشَي اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.

ثم قالت:

اَيُّهَا النَّاسُ! اِعْلَمُوا اَنّي فاطِمَةُ وَ اَبي‏مُحَمَّدٌ، اَقُولُ عَوْداً وَ بَدْءاً، وَ لا اَقُولُ ما اَقُولُ غَلَطاً، وَ لا اَفْعَلُ ما اَفْعَلُ شَطَطاً، لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ.

فَاِنْ تَعْزُوهُ وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ اَبي دُونَ نِسائِكُمْ،وَ اَخَا ابْنِ عَمّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِىُّ اِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ.

فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنَّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، اخِذاً بِاَكْظامِهِمْ، داعِياً اِلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ و الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، يَجُفُّ الْاَصْنامَ وَ يَنْكُثُ الْهامَّ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَ وَ لَّوُا الدُّبُرَ.

حَتَّى تَفَرََّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَ اَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، و نَطَقَ زَعيمُ‏الدّينِ، وَ خَرَسَتْ شَقاشِقُ الشَّياطينِ، وَ طاحَ وَ شيظُ النِّفاقِ، وَ انْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَ الشَّقاقِ، وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الْاِخْلاصِ في نَفَرٍ مِنَ الْبيضِ الْخِماصِ.

وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، مُذْقَةَ الشَّارِبِ، وَ نُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَ قُبْسَةَ الْعِجْلانِ، وَ مَوْطِي‏ءَ الْاَقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَ تَقْتاتُونَ الْقِدَّ، اَذِلَّةً خاسِئينَ، تَخافُونَ اَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَاَنْقَذَكُمُ اللَّهُ تَبارَكَ وَ تَعالي بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتي، وَ بَعْدَ اَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ، وَ ذُؤْبانِ الْعَرَبِ، وَ مَرَدَةِ اَهْلِ الْكِتابِ.

كُلَّما اَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ اَطْفَأَهَا اللَّهُ، اَوْ نَجَمَ قَرْنُ الشَّيْطانِ، اَوْ فَغَرَتْ فاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ، قَذَفَ اَخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِي‏ءُ حَتَّى يَطَأَ جِناحَها بِأَخْمَصِهِ، وَ يَخْمِدَ لَهَبَها بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللَّهِ، مُجْتَهِداً في اَمْرِ اللَّهِ، قَريباً مِنْ رَسُولِ‏اللَّهِ، سَيِّداً في اَوْلِياءِ اللَّهِ، مُشَمِّراً ناصِحاً مُجِدّاً كادِحاً، لا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.

وَ اَنْتُمَ في رَفاهِيَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ، و ادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوائِرَ، وَ تَتَوَكَّفُونَ الْاَخْبارَ، وَ تَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَ تَفِرُّونَ مِنَ الْقِتالِ.

فَلَمَّا اِختارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ اَنْبِيائِهِ وَ مَأْوى اَصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسْكَةُ النِّفاقِ، وَ سَمَلَ جِلْبابُ الدّينِ، وَ نَطَقَ كاظِمُ الْغاوينَ، وَ نَبَغَ خامِلُ الْاَقَلّينَ، وَ هَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلينَ، فَخَطَرَ في عَرَصاتِكُمْ، وَ اَطْلَعَ الشَّيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ، هاتِفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَ لِلْغِرَّةِ فيهِ مُلاحِظينَ، ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَ اَحْمَشَكُمْ فَاَلْفاكُمْ غِضاباً، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ اِبِلِكُمْ، وَ وَرَدْتُمْ غَيْرَ مَشْرَبِكُمْ.

هذا، وَ الْعَهْدُ قَريبٌ، وَالْكَلْمُ رَحيبٌ، وَ الْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلُ، وَ الرَّسُولُ لَمَّا يُقْبَرُ، اِبْتِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، اَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَ اِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرينَ.

فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ، وَ كَيْفَ بِكُمْ، وَ اَنَّى تُؤْفَكُونَ، وَ كِتابُ اللَّهِ بَيْنَ اَظْهُرِكُمْ، اُمُورُهُ ظاهِرَةٌ، وَ اَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَ اَعْلامُهُ باهِرَةٌ، و زَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَ اَوامِرُهُ واضِحَةٌ، وَ قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أَرَغْبَةً عَنْهُ تُريدُونَ؟ اَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ؟ بِئْسَ لِلظَّالمينَ بَدَلاً، وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْاِسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَ هُوَ فِي الْاخِرَةِ مِنَ الْخاسِرينِ.

ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا اِلى رَيْثَ اَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتَها، وَ يَسْلَسَ قِيادَها،ثُمَّ اَخَذْتُمْ تُورُونَ وَ قْدَتَها، وَ تُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها، وَ تَسْتَجيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطانِ الْغَوِىِّ، وَ اِطْفاءِ اَنْوارِالدّينِ الْجَلِيِّ، وَ اِهْمالِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ارْتِغاءٍ، وَ تَمْشُونَ لِاَهْلِهِ وَ وَلَدِهِ فِي الْخَمَرِ وَ الضَّرَّاءِ، وَ نَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حَزِّ الْمَدى، وَ وَخْزِالسنان‏فى‏الحشا.

وَ اَنْتُمُ الانَ تَزَْعُمُونَ اَنْ لا اِرْثَ لَنا أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ، وَ مَنْ اَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَومٍ يُوقِنُونَ، أَفَلا تَعْلَمُونَ؟ بَلى، قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ أَنّي اِبْنَتُهُ.

اَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! أَاُغْلَبُ عَلى اِرْثي؟ يَابْنَ اَبي‏قُحافَةَ! اَفي كِتابِ اللَّهِ تَرِثُ اَباكَ وَ لا اَرِثُ اَبي؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيّاً، اَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللَّهِ وَ نَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، إذْ يَقُولُ «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1) وَ قالَ فيما اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ زَكَرِيَّا اِذْ قالَ: «فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُني وَ يَرِثُ مِنْ الِ‏يَعْقُوبَ»، (2) وَ قالَ: «وَ اوُلُوا الْاَرْحامِ بَعْضُهُمْ اَوْلي

بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ»، (3) وَ قالَ «يُوصيكُمُ اللَّهُ في اَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْاُنْثَيَيْنِ»، (4) وَ قالَ «اِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ وَالْاَقْرَبَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقينَ». (5)

وَ زَعَمْتُمْ اَنْ لا حَظْوَةَ لي، وَ لا اَرِثُ مِنْ اَبي، وَ لا رَحِمَ بَيْنَنا، اَفَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِايَةٍ اَخْرَجَ اَبي مِنْها؟ اَمْ هَلْ تَقُولُونَ: اِنَّ اَهْلَ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثانِ؟ اَوَ لَسْتُ اَنَا وَ اَبي مِنْ اَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟ اَمْ اَنْتُمْ اَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْانِ وَ عُمُومِهِ مِنْ اَبي وَابْنِ عَمّي؟ فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ.

فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ، وَ الزَّعيمُ مُحَمَّدٌ، وَ الْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَ عِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسِرُ الْمُبْطِلُونَ، وَ لا يَنْفَعُكُمْ اِذْ تَنْدِمُونَ، وَ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، وَ لَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ، وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقيمٌ.

ثم رمت بطرفها نحو الانصار، فقالت:

يا مَعْشَرَ النَّقيبَةِ وَ اَعْضادَ الْمِلَّةِ وَ حَضَنَةَ الْاِسْلامِ! ما هذِهِ الْغَميزَةُ في حَقّي وَ السِّنَةُ عَنْ ظُلامَتي؟ اَما كانَ رَسُولُ‏اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ اَبي يَقُولُ: «اَلْمَرْءُ يُحْفَظُ في وُلْدِهِ»، سَرْعانَ ما اَحْدَثْتُمْ وَ عَجْلانَ ذا اِهالَةٍ، وَ لَكُمْ طاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَ قُوَّةٌ عَلى ما اَطْلُبُ وَ اُزاوِلُ.

اَتَقُولُونَ ماتَ مُحَمَّدٌ؟ فَخَطْبٌ جَليلٌ اِسْتَوْسَعَ وَ هْنُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَ انْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَ اُظْلِمَتِ الْاَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ انْتَثَرَتِ النُّجُومُ لِمُصيبَتِهِ، وَ اَكْدَتِ الْامالُ، وَ خَشَعَتِ الْجِبالُ، وَ اُضيعَ الْحَريمُ، وَ اُزيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَماتِهِ.

فَتِلْكَ وَاللَّهِ النَّازِلَةُ الْكُبْرى وَ الْمُصيبَةُ الْعُظْمى، لامِثْلُها نازِلَةٌ، وَ لا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ اُعْلِنَ بِها، كِتابُ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ في اَفْنِيَتِكُمْ، وَ في مُمْساكُمْ وَ مُصْبِحِكُمْ، يَهْتِفُ في اَفْنِيَتِكُمْ هُتافاً وَ صُراخاً وَ تِلاوَةً وَ اَلْحاناً، وَ لَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِاَنْبِياءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَ قَضاءٌ حَتْمٌ.

«وَ ما مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ اَفَاِنْ ماتَ اَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى اَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ

فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِى اللَّهُ شَيْئاً وَ سَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرينَ». (6)

ايهاً بَني‏قيلَةَ! ءَ اُهْضَمُ تُراثَ اَبي وَ اَنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَ مَسْمَعٍ وَ مُنْتَدى وَ مَجْمَعٍ، تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ وَ تَشْمَلُكُمُ الْخُبْرَةُ، وَ اَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَ الْعُدَّةِ وَ الْاَداةِ وَ الْقُوَّةِ، وَ عِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَ الْجُنَّةُ، تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجيبُونَ، وَ تَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ، وَ اَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاحِ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَ الصَّلاحِ، وَ النُّخْبَةُ الَّتي انْتُخِبَتْ، وَ الْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتيرَتْ لَنا اَهْلَ الْبَيْتِ.

قاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَ تَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَ التَّعَبَ، وَ ناطَحْتُمُ الْاُمَمَ، وَ كافَحْتُمُ الْبُهَمَ، لا نَبْرَحُ اَوْ تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى اِذا دارَتْ بِنا رَحَى الْاِسْلامِ، وَ دَرَّ حَلَبُ الْاَيَّامِ، وَ خَضَعَتْ نُعْرَةُ الشِّرْكِ، وَ سَكَنَتْ فَوْرَةُ الْاِفْكِ، وَ خَمَدَتْ نيرانُ الْكُفْرِ، وَ هَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرَجِ، وَ اسْتَوْسَقَ نِظامُ الدّينِ، فَاَنَّى حِزْتُمْ بَعْدَ الْبَيانِ، وَاَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْاِعْلانِ، وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْاِقْدامِ، وَاَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الْايمانِ؟

بُؤْساً لِقَوْمٍ نَكَثُوا اَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ، وَ هَمُّوا

بِاِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ اَوَّلَ مَرَّةٍ، اَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ اَحَقُّ اَنْ تَخْشَوْهُ اِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنينَ.

اَلا، وَ قَدْ أَرى اَنْ قَدْ اَخْلَدْتُمْ اِلَى الْخَفْضِ، وَ اَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ اَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَ الْقَبْضِ، وَ خَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَ نَجَوْتُمْ بِالضّيقِ مِنَ السَّعَةِ، فَمَجَجْتُمْ ما وَعَبْتُمْ، وَ دَسَعْتُمُ الَّذى تَسَوَّغْتُمْ، فَاِنْ تَكْفُرُوا اَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْاَرْضِ جَميعاً فَاِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَميدٌ.

اَلا، وَ قَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ هذا عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخِذْلَةِ الَّتي خامَرْتُكُمْ، وَ الْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَ لكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَ نَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَ حَوَزُ الْقَناةِ، وَ بَثَّةُ الصَّدْرِ، وَ تَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ الْجَبَّارِ وَ شَنارِ الْاَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ الَّتي تَطَّلِعُ عَلَى الْاَفْئِدَةِ.

فَبِعَيْنِ اللَّهِ ما تَفْعَلُونَ، وَ سَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا اَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَ اَنَا اِبْنَةُ نَذيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذابٌ شَديدٌ، فَاعْمَلُوا اِنَّا عامِلُونَ، وَ انْتَظِرُوا اِنَّا مُنْتَظِرُونَ.

فأجابها أبوبكر عبداللَّه بن عثمان، و قال:

يا بِنْتَ رَسُولِ‏اللَّهِ! لَقَدْ كانَ اَبُوكِ بِالْمُؤمِنينَ عَطُوفاً كَريماً، رَؤُوفاً رَحيماً، وَ عَلَى الْكافِرينَ عَذاباً اَليماً وَ عِقاباً عَظيماً، اِنْ عَزَوْناهُ وَجَدْناهُ اَباكِ دُونَ النِّساءِ، وَ اَخا اِلْفِكِ دُونَ الْاَخِلاَّءِ، اثَرَهُ عَلى كُلِّ حَميمٍ وَ ساعَدَهُ في كُلِّ اَمْرٍ جَسيمِ، لا يُحِبُّكُمْ اِلاَّ سَعيدٌ، وَ لا يُبْغِضُكُمْ اِلاَّ شَقِيٌّ بَعيدٌ.

فَاَنْتُمْ عِتْرَةُ رَسُولِ‏اللَّهِ الطَّيِّبُونَ، الْخِيَرَةُ الْمُنْتَجَبُونَ، عَلَى الْخَيْرِ اَدِلَّتُنا وَ اِلَى الْجَنَّةِ مَسالِكُنا، وَ اَنْتِ يا خِيَرَةَ النِّساءِ وَ ابْنَةَ خَيْرِ الْاَنْبِياءِ، صادِقَةٌ في قَوْلِكِ، سابِقَةٌ في وُفُورِ عَقْلِكِ، غَيْرَ مَرْدُودَةٍ عَنْ حَقِّكِ، وَ لا مَصْدُودَةٍ عَنْ صِدْقِكِ.

وَ اللَّهِ ما عَدَوْتُ رَأْىَ رَسُولِ‏اللَّهِ، وَ لا عَمِلْتُ اِلاَّ بِاِذْنِهِ، وَ الرَّائِدُ لا يَكْذِبُ اَهْلَهُ، وَ اِنّي اُشْهِدُ اللَّهَ وَ كَفى بِهِ شَهيداً، اَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ‏اللَّهِ يَقُولُ: «نَحْنُ مَعاشِرَ الْاَنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ ذَهَباً وَ لا فِضَّةًّ، وَ لا داراً وَ لا عِقاراً، وَ اِنَّما نُوَرِّثُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ الْعِلْمَ وَ النُّبُوَّةَ، وَ ما كانَ لَنا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ الْاَمْرِ بَعْدَنا اَنْ يَحْكُمَ فيهِ بِحُكْمِهِ».

وَ قَدْ جَعَلْنا ما حاوَلْتِهِ فِي الْكِراعِ وَ السِّلاحِ، يُقاتِلُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ وَ يُجاهِدُونَ الْكُفَّارَ، وَ يُجالِدُونَ الْمَرَدَةَ الْفُجَّارَ، وَ ذلِكَ بِاِجْماعِ الْمُسْلِمينَ، لَمْ اَنْفَرِدْ بِهِ وَحْدى،وَ لَمْ اَسْتَبِدْ بِما كانَ الرَّأْىُ عِنْدى، وَ هذِهِ حالي وَ مالي، هِيَ لَكِ وَ بَيْنَ يَدَيْكِ، لا تَزْوى عَنْكِ وَ لا نَدَّخِرُ دُونَكِ، وَ اَنَّكِ، وَ اَنْتِ سَيِّدَةُ اُمَّةِ اَبيكِ وَ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ لِبَنيكِ، لا يُدْفَعُ مالَكِ مِنْ فَضْلِكِ، وَ لا يُوضَعُ في فَرْعِكِ وَ اَصْلِكِ، حُكْمُكِ نافِذٌ فيما مَلَّكَتْ يَداىَ، فَهَلْ تَرَيِنَّ اَنْ اُخالِفَ في ذاكَ اَباكِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ الِهِ وَ سَلَّمَ).

فقالت:

سُبْحانَ‏اللَّهِ، ما كانَ اَبي رَسُولُ‏اللَّهِ عَنْ كِتابِ اللَّهِ صادِفاً، وَ لا لِاَحْكامِهِ مُخالِفاً، بَلْ كانَ يَتْبَعُ اَثَرَهُ، وَ يَقْفُو سُوَرَهُ، اَفَتَجْمَعُونَ اِلَى الْغَدْرِ اِعْتِلالاً عَلَيْهِ بِالزُّورِ، وَ هذا بَعْدَ وَفاتِهِ شَبيهٌ بِما بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوائِلِ في حَياتِهِ، هذا كِتابُ اللَّهِ حُكْماً عَدْلاً وَ ناطِقاً فَصْلاً، يَقُولُ: «يَرِثُني وَ يَرِثُ مِنْ الِ‏يَعْقُوبَ»، وَ يَقُولُ: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ».

بَيَّنَ عَزَّ وَ جَلَّ فيما وَزَّعَ مِنَ الْاَقْساطِ، وَ شَرَعَ مِنَ الْفَرائِضِ وَالْميراثِ، وَ اَباحَ مِنْ حَظِّ الذَّكَرانِ وَ الْاِناثِ، ما اَزاحَ بِهِ عِلَّةَ الْمُبْطِلينَ وَ اَزالَ التَّظَنّي وَ الشُّبَهاتِ فِي الْغابِرينَ، كَلاَّ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ اَنْفُسُكُمْ اَمْراً، فَصَبْرٌ جَميلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.

فقال أبوبكر:

صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَتْ اِبْنَتُهُ، مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَ مَوْطِنُ الْهُدى وَ الرَّحْمَةِ، وَ رُكْنُ الدّينِ، وَ عَيْنُ الْحُجَّةِ، لا اَبْعَدُ صَوابَكِ وَ لا اُنْكِرُ خِطابَكِ، هؤُلاءِ الْمُسْلِمُونَ بَيْني وَ بَيْنَكِ قَلَّدُوني ما تَقَلَّدْتُ، وَ بِاتِّفاقٍ مِنْهُمْ اَخَذْتُ ما اَخَذْتُ، غَيْرَ مَكابِرٍ وَ لا مُسْتَبِدٍّ وَ لا مُسْتَأْثِرٍ، وَ هُمْ بِذلِكَ شُهُودٌ.

فالتفت فاطمة عليهاالسلام الى النساء، و قالت:

مَعاشِرَ الْمُسْلِمينَ الْمُسْرِعَةِ اِلى قيلِ الْباطِلِ، الْمُغْضِيَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْقَبيحِ الْخاسِرِ، اَفَلا تَتَدَبَّرُونَ الْقُرْانَ اَمْ‏عَلي قُلُوبٍ اَقْفالُها، كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِكُمْ ما اَسَأْتُمْ مِنْ اَعْمالِكُمْ، فَاَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَ اَبْصارِكُمْ، وَ لَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ،

وَ ساءَ ما بِهِ اَشَرْتُمْ، وَ شَرَّ ما مِنْهُ اِعْتَضْتُمْ، لَتَجِدَنَّ وَ اللَّهِ مَحْمِلَهُ ثَقيلاً، وَ غِبَّهُ وَ بيلاً، اِذا كُشِفَ لَكُمُ الْغِطاءُ، وَ بانَ ما وَرائَهُ الضَّرَّاءُ، وَ بَدا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُونَ، وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ.

ثم عطفت على قبر النبيّ صلى اللَّه عليه و آله، و قالت:

قَدْ كانَ بَعْدَكَ اَنْباءٌ وَهَنْبَثَةٌ – لَوْ كُنْتَ شاهِدَها لَمْ تَكْثِرِ الْخُطَبُ

اِنَّا فَقَدْ ناكَ فَقْدَ الْاَرْضِ وابِلَها – وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَ لا تَغِبُ

وَ كُلُّ اَهْلٍ لَهُ قُرْبي وَ مَنْزِلَةٌ – عِنْدَ الْاِلهِ عَلَي الْاَدْنَيْنِ مُقْتَرِبُ

اَبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجْوى صُدُورِهِمُ – لمَّا مَضَيْتَ وَ حالَتْ دُونَكَ التُّرَبُ

تَجَهَّمَتْنا رِجالٌ وَ اسْتُخِفَّ بِنا – لَمَّا فُقِدْتَ وَ كُلُّ الْاِرْثِ مُغْتَصَبُ

وَ كُنْتَ بَدْراً وَ نُوراً يُسْتَضاءُ بِهِ- عَلَيْكَ تُنْزِلُ مِنْ ذِى‏الْعِزَّةِ الْكُتُبُ

وَ كانَ جِبْريلُ بِالْاياتِ يُؤْنِسُنا- فَقَدْ فُقِدْتَ وَ كُلُّ الْخَيْرِ مُحْتَجَبُ

فَلَيْتَ قَبْلَكَ كانَ الْمَوْتُ صادِفُنا- لَمَّا مَضَيْتَ وَ حالَتْ دُونَكَ الْكُتُبُ

ثم انكفأت عليهاالسلام و اميرالمؤمنين عليه‏السلام يتوقّع رجوعها اليه و يتطلّع طلوعها عليه، فلمّا استقرّت بها الدار، قالت لاميرالمؤمنين عليهماالسلام:

يَابْنَ اَبي‏طالِبٍ! اِشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الْجَنينِ، وَ قَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنينِ، نَقَضْتَ قادِمَةَ الْاَجْدَلِ، فَخانَكَ ريشُ الْاَعْزَلِ.

هذا اِبْنُ اَبي‏قُحافَةَ يَبْتَزُّني نِحْلَةَ اَبي وَ بُلْغَةَ ابْنَىَّ! لَقَدْ اَجْهَرَ في خِصامي وَ اَلْفَيْتُهُ اَلَدَّ في كَلامي حَتَّى حَبَسَتْني قيلَةُ نَصْرَها وَ الْمُهاجِرَةُ وَصْلَها، وَ غَضَّتِ الْجَماعَةُ دُوني طَرْفَها، فَلا دافِعَ وَ لا مانِعَ، خَرَجْتُ كاظِمَةً، وَ عُدْتُ راغِمَةً.

اَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ اَضَعْتَ حَدَّكَ، اِفْتَرَسْتَ الذِّئابَ وَ افْتَرَشت التُّرابَ، ما كَفَفْتَ قائِلاً وَ لا اَغْنَيْتَ باطلاً وَ لا خِيارَ لي، لَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هَنيئَتي وَ دُونَ ذَلَّتي، عَذيرِىَ اللَّهُ مِنْكَ عادِياً وَ مِنْكَ حامِياً.

وَيْلاىَ في كُلِّ شارِقٍ، وَيْلاىَ في كُلِّ غارِبٍ، ماتَ الْعَمَدُ وَ وَهَنَ الْعَضُدُ، شَكْواىَ اِلى اَبي وَ عَدْواىَ اِلى رَبّي، اَللَّهُمَّ اِنَّكَ اَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ حَوْلاً، وَ اَشَدُّ بَأْساً وَ تَنْكيلاً.

فقال اميرالمؤمنين عليه‏السلام:

لا وَيْلَ لَكِ، بَلِ الْوَيْلُ لِشانِئِكِ، نَهْنِهْني عَنْ وُجْدِكِ، يا اِبْنَةَ الصَّفْوَةِ وَ بَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَما وَنَيْتُ عَنْ ديني، وَ لا اَخْطَأْتُ مَقْدُورى، فَاِنْ كُنْتِ تُريدينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَ كَفيلُكِ مَأْمُونٌ، وَ ما اُعِدَّ لَكِ اَفْضَلُ مِمَّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي اللَّهَ. فقالت: حَسْبِيَ اللَّهُ، و أمسكت.

————————————————————————————————

1 ـ النمل: 16

2 ـ مريم: 6

3 ـ الاحزاب: 6.

4 ـ النساء: 11.

5 ـ البقره: 180.

6 ـ آل‏عمران: 144.

التعليقات

لا توجد تعليقات.