الزيارات : 96
التصنيفات : فی محضر الأستاذ

mhzar-olama

ثمّ إنّه وإن اعتبر في تحقق الاضطرار إلى الكذب عدم التمكن من التورية، فانّ الاضطرار إلى الجامع بين الكذب والتورية من قبيل الاضطرار إلى شرب أحد ما يعين لرفع عطشه المهلك، وأحدهما متنجس والآخر طاهر في أنّ الاضطرار إلى الجامع ـ باعتبار إمكان ايجاده في ضمن فرده الحلال ـ لا يكون من الاضطرار إلى الحرام، إلاّ أنّه في المقام روايات يستفاد منها عدم اعتبار العجز عن التورية في جواز الكذب.

(منها) ـ صحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن (ع) (عن رجل يخاف على ماله من السلطان، فيحلف لينجو به منه، قال: لا جناح عليه، وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال: نعم» وموثقة زرارة قال قلت لأبي جعفر (ع): «نمر بالمال على العشار، فيطلبون منّا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا، ولا يرضون منّا إلاّ بذلك؟ قال: فاحلف لهم فإنّه أحل من التمر والزبد» فإنّه وإن لم يذكر كذب الحلف فيهما، إلاّ أنّه المراد، فانّ السؤال عن جواز الحلف صادقاً لدفع الضرر بعيد، خصوصاً بقرينة الجواب بأنّه أحل من التمر والزبد، وفي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (ع)، قال قال رسول اللّه (ص): «احلف باللّه كاذباً ونج أخاك من القتل» إلى غير ذلك.

ومقتضى اطلاق مثل هذه عدم الفرق في جواز الحلف لدفع الضرر، بين التمكن من التورية وعدمه، وفي مقابل ذلك رواية سماعة عن أبي عبداللّه (ع) قال: «إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو أكره أو اضطر إليه، وليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ وقد أحله لمن اضطر إليه» فإنّ مقتضى مفهومها عدم جواز الكذب مع عدم الاضطرار والاكراه، كان في البين دفع ضرر أو لا، والنسبة ـ بينهما وبين الروايات المجوزة للكذب لدفع الضرر ـ العموم من وجه، فانّه يشمل مفهوم هذه ما إذا لم يكن في الكذب دفع الضرر، كما تشمل تلك الروايات ما إذا كان دفع الضرر منحصراً بالكذب كما في فرض الغفلة عن التورية، ويجتمعان فيما إذا لم ينحصر دفع الضرر بالكذب كما في فرض التمكن من التورية، فانّ مقتضى المفهوم عدم جوازه لعدم الاضطرار إليه، ومقتضى تلك الروايات جوازه وبما انّ دلالة كل منهما بالاطلاق فيسقط الاطلاق من الجانبين، ويرجع إلى اطلاق دليل حرمة الكذب.

(لا يقال) لا وجه لسقوط الاطلاق منهما فيما إذا كانت في البين قرينة على دخول مورد الاجتماع في مدلول أحدهما، فانّ لزوم حمل الروايات المجوزة على الصورة النادرة وهي عدم التمكن من التورية قرينة على التحفظ باطلاقها، (فانّه يقال) لا يكون عدم التمكن من التورية ولو باعتبار غفلة المتكلم عنها نادراً. اللّهمّ إلاّ يقال: إنّ مفهوم رواية سماعة اخص مطلق بالاضافة إلى الروايات المتقدمة، فانّ قوله (ع) فيها (إذا حلف الرجل تقية) لا يعم غير موارد دفع الضرر، فيكون تعليق جواز الكذب فيه على الاضطرار بالقضية الشرطية ظاهراً في عدم جواز دفعه به، مع عدم الاضطرار، ويقيد به اطلاق الروايات السابقة، ولعله لذلك أمر المصنف «ره» بالتأمّل، ولكن الأظهر عدم اعتبار العجز عن التورية في جواز الكذب، فانّ بعض روايات الحلف كاذباً قد وردت في دفع الضرر المالي عن الغير، كما في صحيحة اسماعيل المتقدمة، ومثل هذه لا تكون من مورد الاضطرار، لأنّ دفع هذا الضرر عن الغير لا يكون واجباً ليتحقق عنوان الاضطرار إليه. ومقتضى اطلاق الصحيحة جواز هذا الحلف مع التمكن من التورية وعدمه، وبهذا يرفع اليد عن اطلاق مفهوم رواية سماعة، فيقال: لا يجوز الكذب من غير اضطرار إلاّ الكذب لدفع الضرر المالي عن الغير، فانّه جائز مع التمكن من التورية وعدمه، وإذا جاز الكذب لدفع الضرر المالي عن الغير مع التمكن منها جاز لدفع الضرر عن نفسه أيضاً، لعدم احتمال الفرق في الجواز وعدمه بين دفع الضرر عن نفسه وغيره.

هذا مع أنّ رواية سماعة ضعيفة سنداً لا يمكن الاعتقاد عليها. وذكر الايرواني «ره» في وجه جواز الكذب لدفع الضرر مع التمكن من التورية وعدم انّ الكذب عبارة عن التلفظ بالفاظ والقصد إلى معنى منها لا يطابق الواقع والاكراه على الكل كما يكون رافعاً لحرمة الكل كذلك الاكراه على الجزء يكون رافعاً لحرمته التبعية، وبما أنّ الألفاظ المزبورة جزء

من الكذب بل عمدته، وباعتباره الاكراه أو الاضطرار إليها ترفع حرمتها التبعية فيجوز قصد المعنى منها لأنّ مجرد قصد المعنى بدون التلفظ ليس بحرام، والتلفظ في الفرض باعتبار ارتفاع حرمته كالعدم، فيكون الفرض كما إذا كان في البين القصد المجرد.

ولكن لا يخفى ما فيه، فأنّ مجرد التلفظ بالألفاظ لا يكون محرماً ولو تبعاً حتى ترتفع حرمته بالاكراه أو الاضطرار، كما هو حال الجزء في سائر الموضوعات المحرمة المركبة وإنّما يكون الجزء حراماً ضمناً مع حصول الكل، فتكون الألفاظ محرمة في خصوص فرض قصد معنى منها لا يطابق ذلك المعنى الواقع، ومع التمكن من التورية يكون الاضطرار أو الاكراه على الجامع بين الحلال والحرام، فيعود الكلام السابق.

ثم انّ أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب[1].

[1] هذا اشكال على أكثر الأصحاب المعتبرين في جواز الكذب العجز عن التورية. وحاصله أنّهم فرقوا بين الكذب في الحلف والخبر، وبين المعاملات وسائر الأقوال المحرمة كالسب والتبري، حيث اعتبروا العجز عن التورية في جواز الأول دون الثاني، فانّه لا تصح المعاملات المكره عليها، ولا يكون السب أو التبري محرماً مع الاكراه حتى مع التمكن من التورية، فيقال عليهم بأنّ المكره بالفتح على البيع مثلاً مكره على التلفظ لا على إرادته، فإذا أراده مع تمكنه على التورية يكون البيع باختياره ورضاه، فاللازم الحكم بصحته ودافع عنهم المصنف «ره» بأنّ المجوز للكذب في الحلف أو في الاخبار طرو عنوان الاضطرار، وتحقق هذا العنوان موقوف على العجز عن التورية، بخلاف المعاملات وسائر الأقوال، فأنّ الطاري عليها عنوان الاكراه، ولا يعتبر في تحققه العجز عنها، كما إذا أمره الجائر ببيع ماله أو بالتبري عن دينه فباع أو تبرء للتخلص من وعيده، يكون فعله مكرها عليه ومحكوماً في الأول بالفساد وفي الثاني

بالجواز.

(أقول). والصحيح عدم الفرق بين الاضطرار والاكراه في عدم تحقق عنوانهما، مع إمكان التفصي بالتورية أو بسائر المحللات، بلا فرق بين المعاملات وغيرها، وأنّه لا يرتفع بمجرد الاكراه، الرضا المعتبر في المعاملات، كما لا يرتفع ذلك الرضا في موارد الاضطرار، وأنّ الوجه في صحة المعامله مع الاضطرار إليها والحكم ببطلانها مع الاكراه عليها، هو أنّ الحكم بفسادها في مورد الاضطرار خلاف الامتنان، فلا يشملها حديث الرفع بخلاف مورد الاكراه، فأنّ الرفع فيه موافق له فيعمها حديث الرفع، وإذا أمره الجائر بالمعاملة وأمكن التفصي عنها بالتورية أو بغيرها، ومع ذلك أنشأ المعاملة بقصدها حكم بصحتها أخذاً باطلاق دليل نفوذها، ولا يكون في البين حكومة لحديث الرفع، وهذا بخلاف الحلف أو الاخبار كذباً، فانّه جائز في مورد دفع الضرر حتى مع امكان التورية أو امكان التفصي بغيرها، لما تقدم من دلالة الروايات الخاصة على هذا الجواز، ويترتب على ذلك أنّه لو أراد الذهاب إلى بلد يكون له طريقان، وعلم أنّه لو سلك الطريق الفلاني يتعرض له الجائر، فلابدّ في التخلص عن ضرره من الحلف كذباً دون ما إذا سلك الطريق الآخر، فلا يتعرض له، فانّه يجوز سلوك الطريق الأول والحلف له كذباً. وما في الكلام المصنف «ره» ـ من اعتبار العجز عن التفصي بغير التورية في جواز الكذب ـ لا يمكن المساعدة عليه.

نعم يمكن الاستدلال على استحباب تحمل الضرر المالي بما ورد في الحلف باللّه صادقاً من استحباب تحمل الضرر والاغماض عن الحلف، وإذا كان تحمله وترك الحلف الصادق مستحباً يكون تحمله والاغماض عن الحلف الكاذب كذلك بالأُولوية، إلاّ أن التعدي إلى مطلق الاخبار كذباً مشكل، لما يظهر من بعض الروايات من كون ملاك الاستحباب اجلال اللّه سبحانه بترك الحلف باسمه صادقاً أو كاذباً، وفي رواية الكسوني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص): من أجل اللّه أن يحلف به أعطاه خيراً ممّا ذهب منه» ونحوها غيرها.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ جواز الكذب لدفع الضرر مختص بما إذا كان الضرر من الظلم والتعدي عليه، ولا يجوز لمطلق كالضرر في المعاملة، فإذا توقف بيع ماله بلا خسارة على كذبه في رأس المال، فلا يجوز الكذب، لأنّ جوازه إمّا لرفع الاضطرار أو الاكراه، والمفروض انتفاؤهما، حيث إنّ الاضطرار يتوقف على وجوب دفع الضرر المزبور، والضرر المالي يجوز تحمله، وحديث لا ضرر لوروده مورد الامتنان لا يعم المقام، بل يختص بما إذا كان في رفع التكليف الضرري امتناناً، ولا امتنان في تجويز الكذب لمؤمن الموجب لاغراء المؤمن الآخر، بل لا يجوز التورية في مثل اخباره برأس المال باعتبار كونه غشا كما مرّ سابقاً.

واذا دار أمر حمل روايات اهل البيت ع بين الحمل على مثل التقية أو الاستحباب، فتحمل على الاستحباب، وذكرنا في الأُصول من أنّ خصوصية الاستحباب أو الوجوب غير داخلة في مدلول الصيغة، بل مدلولها البعث نحو الفعل وينتزع الوجوب من عدم ثبوت الترخيص في الترك، كما ينتزع الاستحباب من ثبوت ذلك الترخيص. وإذا انضم المستفاد من الصيغة أي البعث إلى الاغتسال إلى ما هو معلوم من الخارج من جواز تركه ثبت الاستحباب.

وأمّا إذا لم يكن الحمل على الاستحباب أخذاً بالظهور، كما إذا ورد في رواية انّ المذي ناقض، ودار أمرها بين أن يراد بالناقض فيها ما هو ظاهره من بطلان الوضوء بالمذي للتقية، وبين استحباب الوضوء بعد خروجه، فلا يكون مجرد الأسب بشأنهم قرينة عرفية على إرادة الاستحباب، ويترتّب على ذلك أنّه لا يتيسر لنا الحكم باستحباب الوضوء بعد خروج المذي بمجرد العلم بأنّ ظاهر الكلام المزبور غير مطابق للحكم الواقعي، مع أنّه إذا جاز الأخبار عن خلاف الواقع لرعاية التقية كما هو الفرض، فلا تكون ارادة مثل الاستحباب اليق بحالهم وما ورد في بعض الموارد لا يدلّ على الضابط لما يصدر عنهم (ع) في جميع موارد التقية، ولا يبعد أن يكون الأمر بالوضوء بعد خروج المذي من هذا القبيل، حيث إنّ ظاهر ذلك الأمر الإرشاد إلى ناقضية المذي، ومجرد العلم بعدم كونه ناقضاً لا يكون قرينة على حمل ذلك الأمر على الاستحباب.

الثاني من مسوغات الكذب إرادة الإصلاح

يدلّ عليه غير واحد من الروايات (منها) صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «المصلح ليس بكذاب» ورواية المحاربي عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي (ص)، قال: «ثلاثة يحسن فيهنّ الكذب، المكيدة من الحرب، وعدتك زوجتك، والاصلاح بين النّاس» إلى غير ذلك. ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين التمكن من التورية وعدمه، فيكون هذا تخصيصاً آخر في أدلة حرمة الكذب على قرار تخصيص الكذب لدفع الضرر، وبعض الاخبار ـ ومنها رواية المحاربي ـ متضمنة لجواز الكذب في الوعد للزوجة أو الأهل، ولكنّها بحسب الظاهر ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها في رفع اليد عن اطلاق دليل حرمة الكذب، بل عن السيد الخوئي (طال بقاه) عدم دلالة تلك الاخبار على جواز الكذب في الوعد الذي يكون من قبيل الاخبار، كالاخبار عن فعله الاستقبالي مع علمه بتركه في ذلك الزمان، وإنّما مدلولها ترك الوفاء بوعده الإنشائي يعني التعهد للعيال أو الزوجة بالفعل، وهذا لا يتصف بالصدق أو الكذب ليكون حراماً، ولا بأس بالتعهد وترك الوفاء به ما لم يكن في ضمن المعاملة. نعم لو قيل بوجوب الوفاء بالعهد الابتدائي يكون الوعد للزوجة أو العيال مستثنى. وفيه أنّ عد الوعد للأهل في الرواية من افراد الكذب قرينة على كون المراد به الوعد الاخباري، وحمل الكذب فيها على البناء على عدم الوفاء بالوعد الانشائي خلاف ظاهرها، خصوصاً بملاحظة أنّ جواز الخلف في الوعد الإنشائي الإبتدائي لا يختص بالوعد للزوجة أو الأهل كما تقدم.

التعليقات

لا توجد تعليقات.